0 :عدد المقالات
 
 

 

الصحافة العربية :

2 - كوارث ليبيا: شلل الحاكم قبل غضبة الطبيعة(أوساط حفتر تتفاخر باتصال رئيس الإمارات بالمشير شخصياً وعرض المساعدة)(رأي القدس)ÃÖÝ ÇáãÞÇá Åáì ÃÑÔíÝí ÇáÔÎÕí

بينما تتواصل عمليات الإنقاذ والإغاثة لمواجهة الآثار المدمرة البشرية والعمرانية التي نجمت عن زلازل جبال الأطلس الكبير في المغرب، تعاني المنطقة الشرقية في ليبيا من عواقب لا تقل تدميراً بسبب إعصار دانيال والسيول العارمة، وفي البلدين الجارين أسفرت هذه الكوارث الطبيعية عن سقوط آلاف الضحايا وخلّفت أعداداً أكبر من المفقودين والمشردين والنازحين. والتضامن الإنساني والأخوي غير المشروط مع الضحايا والمناطق المنكوبة لا يصح أن يطمس سلسلة حقائق أخرى على صلة وثيقة بمنطق عام معقد يحكم وقوع هذه الكوارث وأمثالها، ويتجاوز الظواهر المناخية أو الجيولوجية وما يمكن تصنيفه إجمالاً في باب غضبة الطبيعة أو ثورتها بين حين وآخر.
فمن الثابت اليوم أن الارتباط وثيق وعضوي بين التغيرات المناخية العارمة، وبين الاستغلال العشوائي للموارد الطبيعية وظواهر الاحتباس الحراري والارتفاع غير المسبوق لدرجة الحرارة والزيادة المضطردة في استخدام الوقود الأحفوري وتبدل التيارات في المحيطات، وسواها من عوامل باعثة على انقلابات جذرية في توازنات الطبيعة. وإلى جانب كونها ضحية مباشرة لحال الارتباط هذه، على غرار عشرات البلدان في الجنوب والمناطق النامية تحديداً، فإن ليبيا المصابة اليوم بكوارث السيول تمثل حالة خاصة معيارية لأنها ضربت شعباً يرزح تحت وطأة انقسام إلى حكومتين، وبالتالي فإن الإشكاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والخدماتية المقترنة بذلك الانشطار تضيف المزيد من العناصر إلى مأزق تقصير مؤسسات الدولة أو عجزها أو شللها أو فشلها. فليس إعصار دانيال هو المسؤول الأول عن انهيار اثنين من السدود المائية وما أعقبه من غرق شبه تام لمدينة درنة، بل سوء الإنشاء في الأصل وإهمال أعمال الصيانة الضرورية وعدم التحسب لعوامل طبيعية مثل الأمطار الغزيرة والفيضانات والسيول التي تظل واردة دائماً. كذلك فإن سقوط الأعداد الكبيرة للضحايا ممن قضوا غرقاً أو جراء انهيار عشرات المباني السكنية، والخراب المادي والتدميري الهائل الذي لحق بمدن أخرى مثل البيضاء وشحات وسوسة، لا يستقيم علمياً وأخلاقياً إذا عُزي إلى غضب الطبيعة وحدها.
وإذا كانت حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي الليبي قد توافقا على الحداد الوطني واعتبار مواقع السيول مناطق منكوبة بصرف النظر عن الجهة السياسية المسيطرة عليها، فإن أوساط خليفة حفتر دأبت على تكريس حال الانقسام ولم تتردد في التفاخر بأن رئيس دولة الإمارات اتصل بالمشير شخصياً وعرض المساعدة، كذلك فإن بعض ممثلي الحكومة المعينة من البرلمان انتهجوا خطاب التذرع بصعوبة الوصول إلى الأماكن المنكوبة. وفي إقامة ميزان الحق بين تقصير الحاكم وشلله وبين ثورة الطبيعة تبرز معطيات إجراءات الضرورة، مثل تفعيل أجهزة الإنذار المبكر لاستباق الكوارث، وتحصين البنى التحتية وتجهيزها بما يكفل امتصاص الصدمة الأولى والتخفيف من الإضرار، وإقرار خطط ملموسة وفعالة لإخلاء السكان في المناطق المنكوبة وتجهيز مساكن الإقامة المؤقتة واللجوء. وإذ تقول التنبؤات المناخية بأن إعصار دانيال يتجه إلى تونس ومصر بعد ليبيا، فإن غياب معظم أو جميع هذه الاحتياطات في البلدين تدفع تلقائياً إلى وضع اليد على القلب والأمل بسلامة الأهل هناك.
Bookmark this ArticleSave this PagePrint this Article